هواجس ما بعد التّخرّج

أستيقظ في الصّباح وشعورٌ غريبٌ ينتابني؛ سعادةٌ يلفّها الحزنُ وحماسٌ يحدّه الخوف. أتوجّه نحو الشرفة وأسرّح نظري في المشهد أمامي. أتأمّل النّاس والطّرقات، فلساعات الصّباح الأولى نكهتها الخاصّة. أقفُ هناك وأفكّر بمستقبلي.

أنظر من حولي فتسترعي انتباهي أقلامي ودفاتري الجامعية المُبعثرة على مكتبي. أدنو منها لأعيد ترتيبها للمرّة الأخيرة. أتخلّص من بعض الأوراق وأحتفظ ببعض الملاحظات.
ألتفت إلى الناحية الثانية لأجد ثوب تخرّجي الأسود والذهبي مستلقيًا على الكرسي ينتظرني. أمسك به فينقبض قلبي. عشرون سنةٍ مرّت. متى؟ وكيف؟
يدخل أبي الغرفة. يربّت على كتفي، يقبّل جبيني، يبتسم ويهمس في أذني: « ستتخرّجين اليوم وتبدأ رحلتك في الحياة ».
تدمع عيناي لسماعي تلك الكلمات. هل أنا حقًا جاهزة لأواجه ما ينتظرني خارج الغلاف الدّراسي الذي احتميت به طوال هذه السّنوات؟ هل أنا على استعدادٍ لطيّ صفحة الشقاوة واللّامبالاة وأصحاب الدّراسة واستقبال مرحلة الالتزامات والمسؤوليات وزملاء العمل؟ من قال أنّ التّخرّج يحتّم عليّ أن أكون بكامل جهوزيّتي لأواجه هذا العالم المختلف البعيد كل البعد عن طمأنينتي وأماني؟ ربّما هو الخوف من المجهول، من مرحلةٍ تفرض عليّ أن أنطلق أخيرًا في هذه الحياة بمفردي. هذا الكم الهائل من الإدراك مؤذٍ جدًا. إدراك أنّ ما قبل التّخرّج ليس كما بعده وأنّ ما مضى لن يعود أبدًا. أنا الآن مسؤولة نفسي، أتّخذ قراراتي، أراقب أخطائي، أحاسب نفسي. ما من مقاعد دراسية تحتضنني أو أستاذٍ يغفر زلّاتي، فعالم الكبار لا يحتمل زلّاتٍ، لا يرحم ولا يبالي. أنا الآن على متن رحلةٍ بلا عودةٍ تذكرتها مخزونٌ معرفي استقيته من سنوات دراستي العشرين أتّكّىء عليه وأستعين به كلّما عاكسني التّيار.
تناديني أمّي لأجهّز نفسي استعدادًا للذهاب إلى مصفّف الشعر، فيعيدني صوتها إلى الواقع. أطرد شبح الخوف عنّي وأفكاري السّابقة لأوانها. أنظر في المرآة وأمسح دموعي. ساعة الصّفر دقّت: سأتخرّج اليوم وعليّ أن أستقبل هذه المناسبة بأبهى حلّة. أُهيّء نفسي وأنا على علمٍ بأنّ الخروج من المنزل الآن ليس كالعودة إليه. ستغادره وللمرّة الأخيرة فتاةٌ ما من شغلٍ شاغلٍ لها لتعود إليه راشدة حائزةٌ ماجيستيرٍ في التّرجمة والحياة بانتظارها…