إلى أبد الآبدين

stock-footage-young-girl-making-love-heart-sign-with-her-hands-at-sunset-girl-shapes-heart-with-her-hands-over


من المستحيل أن أنسى اللقاء الأول الذي جمعنا منذ عشرين سنة. تعرفت عليها خلال يومي الأول في المدرسة حين لم أكن أتجاوز الثالثة من عمري. ألقيت عليها التحية فلم تعرني أيّ اهتمام، عرّفتها عن نفسي فلم أسمعها تنطق ولو بكلمة واحدة.

في اللحظة الّتي وقع نظري عليها عرفت أنّ علاقة متينة كانت على وشك أن تبدأ.

لطالما ارتحت لوجودها، فباتت ترافقني أينما ذهبت، أطلعها على كلّ ما يدور في بالي من دون خجل بل على العكس أقول لها ما أعجز عن إقراره لذاتي. هي لم تخذلني كبقية رفاقي بل راحت تتوطد علاقتنا يوماً بعد يوم، لا بل اتحداك أن تجد إنساناً أهلاً للثقة أكثر منها؛ فهي كالبحر العميق تبتلع جمّ الأسرار ولا تقذفها مهما علت الأمواج، أمّا الشّك فلا يجد سبيلاً له إلى علاقتنا.

رافقتني في كل مراحل حياتي حتّى هذه اللّحظة، فكانت كالبلسم لجروحي أركض نحوها مهرولة كطفلة صغيرة تبحث عن حضن أمّها لتلقي بهمومها عليه فتمدّني بطاقة سحريّة كلّما اقتربت منها والألم والحزن يملأ قلبي. ورغم أنّني على ثقة كبيرة أنّها لن تغدق عليّ أجوبتها الفلسفيّة لتطفئ بها لهيب الأسئلة الّتي تتخبّط في بالي إلّا أنّني لا أنفكّ أحاول أن أستنطقها لأحصل على جواب يشبع حيرتي ويسكتها ويزيل عن كاهلي عبء الحياة ومشقّاتها، من غير أن تنطق ببنت شفة. فحين أشعر أنّ دمعتي تشارف على السّقوط تقتادني مشاعري نحوها، إلى حضنها الدافئ لأشاطرها همومي، فتلتقطها من دون تذمّر.

لطالما ساعدتني على محاربة أفكاري وخواطري، فصديقتي هذه الهادئة والكتومة هي كالطبيب، تداويني في حالات وجعي المستعصية التي عجزت الأدوية كلّها أن تشفيني منها. قد يتهيأ اليكم أنّني أصبت بحالة من الجنون، ولكن بصراحة، وصلت لمرحلة أشعر بها وكأن روحي تنفصل عن جسدي وتنطلق مهرولة نحوها من دون إشارة مني، تناشدها أن تترأف بها وتساعدها على أن ترتاح.

لا! لست أنانيّة بفعلي هذا، بإثقالها بهمومي ومشاكلي كلّما شعرت برغبة في ذلك، بلا مبالاتي بمشاعرها وأحزانها … لأنّه كيف لها أن تكشف عن مكنونات صدرها وهي مجرّد ورقة بيضاء لا حول لها ولا قوة.

فيا ورقتي الوفيّة معاً إلى الأبد في السّرّاء والضّرّاء حتّى يفرّقنا الموت.