بين الخرافة والحقيقة، حكّة

لا شكّ في أنّك شعرت يومًا بحكّة في أنفك، فسمعت والدتك تقول: « الله يجيب العواقب سليمة! ». فالحكّة بالنسبة إلى بعضهم، ليست تهيّجًا في أنسجة البشرة أو اضطرابًا في الأعصاب فحسب، بل قد تكون فأل خير أو نذير شؤم يحدّد مصير الإنسان. 

حكّة اليد، ثروة قادمة أم نفقات طائلة؟

« الحكّة » أمّ الإبداع!

إذا كانت الحاجة أمّ الاختراع، ففي حالتي أنا، « الحكّة » أمّ الإبداع. لولاها، ما كنتم لتقرأوا هذا المقال الآن. الحاصل هو أنّني كنت أمشي في منزلي كالعادة، فشعرت بحكّة في أسفل قدمي اليمنى. وما إن رأتني أمّي أجرش قدمي جرشًا حتّى صاحت بي قائلة: « الإجر اليمين خير وطريق ميسّرة وما بتخطر عالبال ». مع أنّني ضحكت واستخففت بدقّة كلامها، أيقنت لاحقًا أنّه حملَ بعضًا من الصدق. فطريقي المجهول الذي لم يخطر في بالي يومًا، هو كتابة مقال عن « الحكّة »!

علم الحكّة

قد تحسبونني مجرّد بلهاء تؤمن بالخرافات وتربط أبسط أحداث حياتها بها، على الرغم من تطوّر العلم وظهور التكنولوجيا. ولكن أنا أعتبر أنّ الحكّة علم بحدّ ذاتها. علم لامنطقيّ. يستند على خريطة الجسد وتحكمه قوانين هي حكايات الجدّات. فأجدادنا آمنوا بهذا العلم وساهموا في تخليده حتّى يومنا هذا بكلّ دلالاته. إذ لا يزال كثيرون غيري يؤمنون بالحكّة ويرفضون أن يسمّوها « خرافات ». إليكم نبذة عن أبسط قوانين هذا العلم العجيب.

حكّة اليد اليمنى خير واليسرى شرّ

في علم الأساطير الشعبيّة، إن شعرت بحكّة في يدك اليمنى، هناك ثروة في طريقها إليك. وإن كانت الحكّة في يدك اليسرى، فهو العكس تمامًا. عليك بتجهيز أموالك ومدّخراتك، لأنّك ستضطرّ إلى صرف مبلغ منها قبل انقضاء يومك. ولا أخفي عليك عزيزي القارئ، أنّني من المؤمنين بشدّة بهذه الخرافة، لأنّني أشعر بحكّة في يدي اليمنى مع اقتراب موعد استلامي راتبي الشهري. وأمّا عن يدي اليسرى، فلا أنفكّ أحكّها طوال أيّام الشهر الباقية! وأظنّ – أو هذا ما سمعته على الأقلّ، أنّ السبب يعود إلى أنّ اليد اليمنى هي التي نستلم بها المال، بينما ندفعه باليد اليسرى.

حكّة الأنف، وليمة أم مصيبة؟

في مكان ما، في أحد البلدان الغربيّة، قد يشعر شخص بحكّة في أنفه فيتّصل بالطبيب على الفور ليعرف التفسير المنطقي لذلك. ولكن في عالمنا العربيّ العزيز، نقابل تلك الحكّة مقابلة مختلفة تمامًا. ففي الخليج العربيّ، من يشعر بها عليه أن يهمّ ليعدّ الولائم بانتظار ضيوف قادمين، أو أن يرتدي ملابسه ويجهز، لأنّ أحدهم سيدعوه إلى وليمة. إذ يعتبرون أنّ في حكّة الأنف تذكيرٌ بأسمى القيم، كحسن الضيافة والكرم ولمّ الشمل وغيرها. وأمّا الوجه الآخر لهذه الحكّة، فنذير شؤم. ما إن نشعر بها حتّى نستعيذ بالله منها طوال اليوم، وننتظر وقوع مصيبة المصائب. نعم عزيزي القارئ، لا يفاجئك أنّني أؤمن بهذه الحكّة على وجه الخصوص. فكلّما حككت أنفي، حزنت أو بكيت أو وقعت فاجعة، كحادث سير أو موت أحد المقرّبين إليّ! 

حكّات وخرافات عفا عليها الزمن، ولكن…

قد يرفض كثيرون تصديق ما سمّيته أنا « علم الحكّة ». ولكن مهما كنّا عقلانيّين ومنطقيّين في تفكيرنا، تدفعنا غريزتنا أحيانًا إلى الإيمان بحكايات العرّافات والجدّات، ونضيع في واقعنا بين الخيال والحقيقة. وحين يتعلّق الأمر بفأل خير، نودّ لو تكون حكّة اليد اليمنى على صواب، بينما نتجاهل حكّة الأنف ونذكّر أنفسنا بأنّها خرافات. وأنتم، ما رأيكم في الحكّة؟ هل هي خرافة أم حقيقة؟

Print Friendly, PDF & Email

29 réflexions au sujet de « بين الخرافة والحقيقة، حكّة »

      1. نؤمن بالخرافات لنشعر بالطمأنينة ونتحرر من مشقة التفكير، فالقبول بتفسير خارق للطبيعة أسهل من تفسيرها بطرق منطقية

Laisser un commentaire

Votre adresse e-mail ne sera pas publiée.